ابن عجيبة
277
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي : يرجون المغفرة ، والحال أنهم مصرون على الذنب ، عائدون إلى مثله ، غير تائبين منه ، أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أي : في الكتاب ، وهو التوراة ، أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ، وهو تكذيب لهم في قولهم : سَيُغْفَرُ لَنا ، والمراد : توبيخهم على القطع بالمغفرة مع عدم التوبة ، والدلالة على أنه افتراء على اللّه ، وخروج عن ميثاق الكتاب ، وَدَرَسُوا ما فِيهِ أي : وقد درسوا ما فيه ، وعلموا ما أخذ عليهم فيه من المواثيق ، ثم تجرأوا على اللّه ، وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ مما يأخذ هؤلاء من العرض الفاني . أَ فَلا يَعْقِلُونَ « 1 » فيعلموا ذلك ، ولا يستبدلوا الأدنى الحقير المؤدى إلى العقاب بالنعيم الكبير المخلد في دار الثواب ، ومن قرأ بالخطاب فهو لهم ، من باب التلوين في الكلام . وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ أي : يتمسكون بالتوراة ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ المفروضة عليهم ، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ منهم . وهذا فيمن مات قبل ظهور الإسلام ، أو : والذين يمسكون بالقرآن ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ مع المسلمين ، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ . الإشارة : تفريق النسب في البلدان ، إن كان في الذل والهوان ، فهو من شؤم المخالفة والعصيان ، وإن كان مع العز وحفظ الحرمة ، فقد يكون لقصد الخير والبركة ، أراد اللّه أن ينمى تلك البلاد ، بنقل ذلك إليها ، كأولاد الصالحين والعلماء وأهل البيت . ويؤخذ من قوله : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ، أن العبد مأمور بالرجوع إلى اللّه في السراء والضراء ، في السراء بالحمد والشكر ، وفي الضراء بالتسليم والصبر . ويؤخذ من مفهوم قوله : وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ، أن من عقد التوبة وحل عقدة الإصرار غفر له ما مضى من الأوزار . وفي قوله : أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ . . . الآية ، تحذير لعلماء السوء . وقوله : وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ . . . الآية ، أي : والذين يمسكون بظاهر الكتاب وأقاموا صلاة الجوارح ، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ مع عامة أهل اليمين ، والذين يمسكون بباطن الكتاب وأقاموا صلاة القلوب - التي هي العكوف في الحضرة - حضرة الغيوب - إنا لا نضيع أجر المصلحين لقلوبهم ، وهو شهود رب العالمين مع المقربين ، في حضرة الأنبياء والمرسلين ، جعلنا اللّه منهم وفي حزبهم ، آمين . ولمّا ذكر من تمسك بالكتاب طوعا ، ذكر من تمسك به كرها من أسلاف اليهود ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 171 ] وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 171 )
--> ( 1 ) قرأ نافع وابن عامر وحفص وأبو جعفر ويعقوب « تعقلون » بالخطاب ، وقرأ الباقون بالغيب . انظر الإتحاف ( 2 / 68 ) .